كيف نستلهمُ من السيدة زينب (ع) لواقعنا الراهن؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
أسعد الله أيامكم، وجعلها، إن شاء الله، أيام خير وبركة، في ذكرى ولادة السيّدة زينب بنت عليّ (ع) والذي يصادفُ في الخامس من شهر جمادى الأولى.
السيدة زينب (ع) واحدة من القدوات الإنسانية والنسوية، ونحن بحاجة إلى الأمرين معًا.
وعندما نقول إنها قدوة إنسانية، فإننا نعني أنّ الإنسان، سواء أكان رجلًا أم امرأة، يستطيع أن يستلهم منها المعاني الإنسانية الكبرى؛ لأنّ الجوهر الإنساني واحدٌ في الرجل والمرأة.
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[1]. وهذا يدلّ على أنّ العلاقة تفاعلية ومتبادلة، وأنّ التفاضل لا ينحصر في دائرة الرجال أو في دائرة النساء، بل قد يتفاضل الرجلُ مع الرجل، والمرأةُ مع المرأة، والرجلُ مع المرأة، والمرأةُ مع الرجل، بحسب ما يحمله كلّ إنسان من قيمٍ ومضامين إنسانيّة. أمّا الجانب الجسدي (الذكورة والأنوثة) فله حدودُه الواضحة والمحدّدة.
ولذلك يمكن للرجل أن يقتديَ بالسيدة زينب (ع)؛ لأنّها تمثل الإنسان القدوة له في إطار تجربتها ومواقفها وروحيّتها، وما إلى ذلك. وهذا ما حصل فعلًا، حيثُ استلهم الرجال والنساء من شخصيّتها على حد سواء.
نحن لا نجد في الإسلام نموذجًا نسويًا يعيشُ في دائرة النساء، أو على هامش حركة المجتمع وثقافته، ولا نجدُ نموذجًا نسويًّا يعيش عقدةً تجاه الرجل. لدينا إنسانٌ كرّمه الله سبحانه وتعالى، وجعل أساس العلاقة بين الرجل والمرأة التكامل والتعاون، حيثُ حدّد الله تعالى حدود المختلَفِ فيه والمشترك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[2]؛ ما يؤكد وحدة الأصل ووحدة الهدف.
ثلاثة نقاطٍ للاقتداء
سأتحدث في ثلاث نقاط سريعة في ما يضيف إلى حياتنا.
أولًا: ما الذي صنع زينب (ع)؟
ما الذي صنع هذه المرأة التي أصبحت من قادة الإسلام؟
إنّها النموذج العملي الذي قدمه الإسلام للمرأة. فالإسلام لم يكتفِ بالنظريّات، بل قدّم نماذج حيّة جسّدت كلّ عناصر الإنسانية والرسالية والقيادة.
فعندما نبحث عمّا قدّمه الإسلام في هذا المجال، نجد خديجة الكبرى (ع) ، ونجد السيدة فاطمة الزهراء (ع) ، ونجد السيدة زينب (ع) . بل إنّنا نجد نساءً أخريات، قد نختلف مع بعض مواقفهنّ في بعض التفاصيل، إلا أنّ التاريخ يشهد لهن بروح القيادة والعلم والتأثير. حيثُ بعضُهُنَّ كنَّ راوِيات للحديث، ومعلّمات للرجال والنساء، وينقلن ما قاله رسول الله (ص)، ويبينّ ما أنزل الله سبحانه وتعالى.
ولكن يبقى السؤال: ما الذي صنع زينب (ع)؟
والجواب: لقد صنعها القرآن الكريم.
ولذلك نرى أنها، حين وقفت أمام يزيد أو ابن زياد، كانت تنطق بالقرآن، وتستحضر الآيات في مواضعها، فتقيم الحجة بوضوح وقوة، وترد على خصومها بالحكمة والبصيرة.
فلم يكن القرآن بالنسبة إليها نصوصًا تحفظها أو شواهد تستحضرها عند الحاجة، كما يُستشهد أحيانًا ببعض أبيات الشعر، بل كان حياة كاملة عاشتها بكلّ تفاصيلها، وتشرّبتها في شخصيّتها.
إذا تأمّلنا في سيرتها، نجد أنّها وُلدت في حياة رسول الله (ص)، وإن في السنوات الأخيرة من حياته المباركة، ثمّ عاشت مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، وعاصرت الإمام الحسن (ع)، وعاشت سنوات طويلة من إمامة الإمام الحسين (ع)، وواكبت كلّ التحدّيات والتجارب والمواقف التي اشتملت عليها كلّ تلك العقود من الزمن. نحن هنا نتحدّث عن امرأة واكبت نصفَ قرنٍ من مرحلة هي من أشدّ المراحل حساسيّة وتأسيسًا من التاريخ الإسلاميّ، ومصاحِبةً في ذلك لأهمّ شخصيّات قياديّة بعد وفاة رسول الله (ص)، وهي الشخصيّات التي وعت المشروع الإسلاميّ بكلّه، وواكبت تجذيره في حياة الأمّة موقفًا موقفًا، ومحطّةً محطّة.
إنّ الإنسان الذي وقف في كربلاء تلك المواقف العظيمة، وأظهر ذلك الصبر وذلك التحدّي، لا يمكن أن تكون شخصيّته قد تكوّنت بصورة عاديّة؛ بل كانت ثمرة تربية عميقة وصناعة روحية استثنائية.
ومن هنا يعود السؤال إلينا نحن: ما الذي صنع زينب؟
إذا عرفنا الجواب، أدركنا أنّ الأداة التي صنعت زينب (ع) ما تزال بين أيدينا، وأنّ في إمكاننا أن نصنع بها أنفسنا أيضًا.
واليوم، عندما تختلط الفتن وتشتدّ، كما ورد في الحديث الشريف: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن»[3]، نجدُ في القرآن القواعد والأسس والسُّنن الإلهيّة التي تهدينا إلى الموقف الصحيح.
وكلما ازداد ارتباطنا بالقرآن، ووعينا معانيه ومشاعره وتوجيهاته، شعرنا كلُّ واحدٍ منّا أنّه يخاطبه شخصيًا، ويعالج قضايا حياته وهمومه ومشاكله، ويحدّد بوصلة الطريق بشكلٍ واضح وجليّ.
فالقرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى إنما نزل لتثبيت القلوب، وتزكية النفوس، وبعث الطمأنينة في الإنسان.
والسؤال الحقيقي هو: كيف ننزل هذا القرآن إلى واقع حياتنا، وكيف نجعله عنصرًا فاعلًا في بناء شخصياتنا؟
ثانيًا: السيدة زينب (ع) في حياتها كلها، لا في كربلاء فقط
لقد ظُلِمت السيدة زينب (ع) في بيان التاريخ لها؛ لأن المؤرخين عادةً ما يركّزون على لحظة الذروة، وقد كانت كربلاء هي لحظة الذروة في حياتها. فكلّ من حضر كربلاء من المعسكرَيْن نُقِل عنه، ووُصفت مواقفه وأحداثه، حتى أصبحت تلك المرحلة هي الأكثر حضورًا في الذاكرة التاريخيّة.
غير أنّ السيدة زينب (ع) لم تولد يوم عاشوراء، ولم تبدأ حياتها في سنة إحدى وستين للهجرة ثم تنتهي عندها القضية. لقد كانت لها حياة طويلة قبل كربلاء، وسيرة حافلة بالعطاء والمسؤولية.
فماذا كانت تصنع في المدينة؟ وكيف كانت تربّي أسرتها؟ وكيف كانت تُسهم في نشر العلم بين النساء المسلمات؟ وكيف كانت تؤدّي مسؤوليّتها الاجتماعيّة والدينيّة؟
هذه الجوانب لا تحضر بالقدر نفسه في الروايات التاريخية، إلّا أن كربلاء كشفت عن حقيقة تلك الشخصية العظيمة.
ونحن نلمح جانبًا من عبادتها فيما نُقل عنها بعد المأساة؛ فبعد كل تلك المصائب التي نزلت بها، وبعد ذلك القهر والقتل والسبي، لم تترك عبادتها لله سبحانه وتعالى. وقد نُقل أنها صلّت صلاة الليل من جلوس بعد وصولها إلى الشام؛ لِمَا أصابها من ضعف وإرهاق.
ولو أن أحدًا سمع ذلك لقال: إنّ لها العذر الكامل في ترك النوافل بعد كل ما مرّت به. لكنّ شخصية السيدة زينب (ع) لم تكن من الشخصيات التي تعيش علاقتها بالله تبعًا للظروف، بل كانت علاقة راسخة ثابتة.
صحيح أن الروايات التي تتحدث عن تفاصيل حياتها في المدينة ليست كثيرة، إلا أننا نستطيع أن نرسم صورة واضحة لشخصيتها من خلال المصدر الذي صنعها، وهو القرآن الكريم.
فالقرآن حين يتحدث عن الأخلاق، والمفاهيم، والمواقف، والسلوكيات، إنما يقدم النموذج الذي كانت السيدة زينب (ع) تسعى إلى تجسيده في حياتها.
ولذلك، حتى لو لم تصلنا تفاصيل كثيرة عن سلوكها اليومي، فإن كربلاء نفسها تكشف عن عمق هذه الشخصية. فالموقف العظيم لا يولد في لحظة واحدة، وإنّما هو ثمرة عمر طويل من التربية والإيمان والتقوى.
ومن هنا ينبغي ألا نحصر السيدة زينب (ع) في موقفها أمام يزيد وابن زياد فحسب، أو في صبرها على المصائب وحده، بل علينا أن ننظر أيضًا إلى أخلاقها وروحيّتها وعلاقتها بالله، وإلى الأسس التي قامت عليها شخصيّتها كلها. فكربلاء كانت ثمرة تلك الشخصيّة، وليست كلّ تلك الشخصيّة.
ثالثًا: دروس السيدة زينب (ع) في مواجهة الأزمات والتحديات
إذا أردنا أن نستوحي من السيدة زينب (ع) درسًا لحياتنا اليوم، فإن من أهم الدروس التي تقدمها لنا كيفية التعامل مع التحديات والأزمات.
نحن نعيش في عالم مليء بالصعوبات والتحوّلات. وما من إنسانٍ إلا ويخوض نوعًا من التجارب والابتلاءات. بل إنّ التجارب نفسها هي التي تصنع الإنسان وتنضج شخصيّته.
أمّا الحياة التي تخلو من التحدّيات تمامًا، فقد تبدو مريحة، لكنّها كثيرًا ما تُفقد الإنسان الشعور بالمعنى والنموّ.
ولهذا فإنّ المؤمن لا ينظر إلى الأزمات بوصفها نهاية الطريق، بل يحاول أن ينتزع منها ما فيها من فرص للتعلّم والنُّضج والتغيير.
وقد نعيش ظروفًا صعبة على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو الوطني أو على مستوى الأمّة، وقد تبدو المشكلات أكبر من قدرتنا على التأثير فيها. لكنّ السؤال الحقيقي ليس: ما حجم المشكلة؟ بل: ما هي مسؤوليّتي أنا تجاهها؟
وهنا يبرز درس السيدة زينب (ع).
ففي كربلاء لم يبق من الرجال القادرين على حمل القيادة إلا القليل، وكانت الكارثة بحجمٍ لم تعرف له الأمّة مثيلًا. الإمام الحسين (ع) قُتل، وأهل بيته وأصحابه قُتلوا، والناس بين خائفٍ أو صامتٍ أو منخدع بالدعاية الأمويّة. وكان يمكن للإنسان، وهو ينظر إلى هذا المشهد الهائل، أن يشعر بأن كل شيء قد انتهى، وأن لا أمل في أي تغيير.
ولو أنّ السيدة زينب (ع) استغرقت في التفكير بحجم الكارثة وآثارها، لما استطاعت أن تؤدّي الدور الذي أدّته بعد ذلك. لكنّها ركّزت على أمر واحد: ما هي مسؤوليّتي الآن أمام الله سبحانه وتعالى؟
وهذه نقطة بالغة الأهمية. فعندما تكون بوصلة الإنسان هي الله سبحانه وتعالى، فإنّه يتعالى نفسيًّا وروحيًّا عن الظروف المحيطة به، بكلّ ثقلها وما تفرضه من شعور، وهذا ما يجعله قادرًا على أداء مسؤوليته الواقعية، بدل أن يستهلك طاقته في الانشغال بما لا يملك تغييره. والإنسان لا يملك كل الظروف المحيطة به، ولا يملك مواقف الناس جميعًا، ولا يملك حركة التاريخ بأكملها، لكنّه يملك أن يؤدي واجبه هو.
وهذا ما فعلته السيدة زينب (ع) .
لقد قامت بتكليفها، وواجهت الطغيان، وتحدثت بكلمة الحقّ أمام ابن زياد ويزيد، وأوصلت رسالة الحسين (ع) إلى الأمّة.
ومن خلال هذا الموقف الذي بدا محدودًا في حينه، تغيّر مسارُ الأحداث. فقد انتقلت كربلاء من محاولةٍ لطمس الحقيقة إلى قضية خالدة في وجدان الأمّة. فكلمة الحقّ التي قالتها تلك المرأةُ المؤمنة أصبحت عنصرًا أساسيًا في حفظ رسالة عاشوراء وإيصالها إلى الأجيال حتّى يومنا هذا. ولو أنها استسلمت لحجم المأساة، أو فقدت قدرتها على الحركة بسبب ثقل المصيبة، لما تحقق ذلك الأثر العظيم.
وهنا يأتي الدرس الذي نحتاج إليه جميعًا: قد يرى الإنسان في موقعه الوظيفي أو الاجتماعي أو الأسري مشكلات كبيرة، وقد يشعر بالإحباط عندما ينظر إلى حجم الخلل الموجود حوله. وقد يظنّ أنّ جهده الفردي لا يقدّم ولا يؤخّر.
غير أن منطق السيدة زينب (ع) هو منطق مختلف تمامًا. فالإنسان لا يُسأل أولًا عما فعله الآخرون، وإنما يُسأل عما فعله هو. أن أكون ناجحًا في موقعي، وأن أؤدي مسؤوليتي بصدق وإتقان، وأن أقوم بما يجب علي فعله، فهذا هو الفعلُ الذي أملكه حقيقةً، والمسؤوليّة التي أطالَبُ بها.
أما ما يتجاوز قدرتي فأمرُه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى ما يهيّئه الله تعالى من أسبابٍ ضمن حركة السُّنن وحركة التاريخ.
وقد ينظر المرء إلى المجتمع فيرى تراجعًا في القيم أو انتشارًا لمظاهر الخلل، فيشعر بالعجز أو اليأس. لكن المطلوب منه أن يبدأ بنفسه أولًا، وأن يؤدي واجبه، وأن يكون عنصر إصلاح في محيطه المباشر. فربما يغيّر الله، من خلال هذا الجهد المتواضع، ما لم يكن الإنسان يتوقعه.
إنّ المطلوب منّا أن نعمل بما نستطيع، وأن نؤدّي واجبنا كما ينبغي، ثم نرفع نتائج أعمالنا إلى الله سبحانه وتعالى ثقةً وتوكلًا. فالله عز وجل لم يطلب منا ضمان النتائج، وإنما طلب منا حسن السعي وأداء التكليف. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فعندما يؤدي الإنسان ما عليه بإخلاص، ثم يتوكّل على الله سبحانه وتعالى، فإنّ الله يهيّئ له من أسباب التوفيق والفتح ما لا يخطر على باله.
ومن هنا، فإن واحدة من أهم الدروس التي نتعلمها من السيدة زينب (ع) هي أن ننشغل بأداء المسؤولية أكثر من انشغالنا بحجم العقبات، وأن نجعل علاقتنا بالله هي البوصلة التي تهدينا الطريق في أحلك الظروف.
فإذا فعلنا ذلك، منحنا الله طاقة للاستمرار، وأملًا لا ينقطع، ورؤية أوضح للتغيير والإصلاح.
والحمد لله رب العالمين.
· كلمة ألقيت في لقاء مع موظّفي الإدارة العامّة في جمعيّة المبرّات الخيرية، الجمعة الواقع فيه 5/جمادى1/1448هـ، الموافق لـ 16/10/2026م.
[1] سورة التوبة، الآية 71.
[2] سورة الروم، الآية 21.
[3] الكليني، الكافي، ج2، ص 599، ط (الإسلاميّة).

