الترابط بين العقديّ والشرعيّ والأخلاقيّ في الخطاب القرآني-الشكر أنموذجاً-
السيد جعفر محمّد حسين فضل الله[1]
الموضوع الذي نعالجه في هذه المقالة هو محاولة استكشاف طبيعة الخطاب القرآني لجهة العلاقة بين العقدي والفقهي والأخلاقي، فهل ثمّة اختلاف في التعبير القرآني باختلاف الموضوع الذي يتعرّض له؛ لنجد تنوّعًا في اللسان القرآني في التعبير عن القضيّة العقديّة وكذلك في التعبير عن القضيّة الفقهيّة والأخلاقيّة؟ أم أنَّ طبيعة النصّ القرآني لا تُظهر هذا التمايز الذي بدا حادًّا في تعبيرات مصنّفات العلوم الثلاثة المشار إليها.
لا نريد هنا أن نلغي التمايز بين مجالات علوم العقيدة والشريعة والأخلاق؛ لأنّ الموضوع الذي يعالجه أيّ علمٍ من هذه العلوم يفرض التركيز على النقطة المائزة بينه وبين غيره، وهو ما يفرض إنتاج مصطلحاتٍ خاصّة يتمّ من خلالها التعبير عن المقاربة العلميّة. ففي العقيدة تغلب اللغة العقليّة الجافّة في الاستدلال على قضاياها، وفي الفقه تغلب اللغة القانونيّة الصّارمة في معالجة مسائله، في حين تبدو الأخلاق الميدان الخصب للانفتاح التعبيري عن القيم والمبادئ والمثُل، وإن كان علم الأخلاق قد ينحو أيضًا منحًى استدلاليًّا جامدًا على القضايا الأخلاقيّة.
ولكنّ الفكرة التي نحاول معالجتها في هذه المقالة، لها علاقة بالخطاب الذي يعبّر عن المسألة العقديّة أو الفقهيّة أو الأخلاقيّة ويوجَّه إلى الإنسان؛ ليكون قاعدةً للإيمان أو العمل الصّالح، وهما بُعدا الفلاح في الدُّنيا والآخرة. فالهدف الأساس من العلوم العقدية والشرعية والأخلاقيّة جميعًا هو بناء الإنسان في كلّ عناصر شخصيّته، الفكريّة والروحيّة والعمليّة، والعمليّة البنائيّة تفترض أن يُصاغ الخطاب في أيٍّ من المجالات الثلاثة بمنحى تربويّ، يجعل الإنسان لا يتساهل في بعض الأمور بحجّة أنّها أخلاقيّة في مقابل الأمور الشرعيّة التي تؤثّر في الأعمال من حيثُ صحّتُها أو فسادُها، بما يلزم منه المضي أو لزوم التدارك أو القضاء.
قد يكون لزامًا على الفقه أن يدرس الحدود الفاصلة بين الأحكام الشرعيّة، أي بين الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والإباحة، ويدرج ذلك في مصنّفات فقهيّة تخصُّصيّة، ولكنَّ إلغاء الجنبة التربويّة من الخطاب المصاغ للعامّة من الناس الذين هم في طور الإعداد والبناء لشخصيّاتهم الإيمانيّة، يفوّت علينا الكثير من الفوائد العمليّة، وينتج إنسانًا يمشي على حرف المساحة الإيمانيّة، أو الحدّ الأدنى من حركيّة الإيمان، ولا يأمن هذا الإنسان من السُّقوط في أي حالة ضغط غير عاديّ.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ثمّة إمكانيّة لينعكس هذا المنحى على طبيعة انشغال الفقيه بالأدلّة الفقهيّة، فيستبعد نصوصًا عن ساحة الاستدلال الفقهي على مسألةٍ ما بحجّة أنّها تعالج قضيّة أخلاقيّة غير ملزمة، في الوقت الذي قد تشير إلى مقصَدٍ كُلّي لا يمكن تجاوزه، أو قد تكون أساسًا لحكم شرعيٍّ مستجدّ. وعلى سبيل المثال قد يكون لقوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةً)[2] دخالة في الاستدلال على جواز التبرّع بالأعضاء التي لا تضرّ بالإنسان، أو بالتبرّع بها بعد الموت، من الناحية الفقهيّة القانونيّة، في الوقت الذي تُستبعد فيه – عادة – هذه الآية من مقام الاستدلال الفقهي.
وكذلك عندما يرد – على سبيل المثال – ذمٌّ في القرآن الكريم لطريقة اليهود في اللعب على الحكم الشرعي حينما حرّم الله عليهم الصيد في السبت، فعمدوا إلى صنع حظائر تحجز الأسماء يوم السبت، حتّى إذا اجتمعت اصطادوها في اليوم التالي، وهو ما يجعلهم يشعرون بامتثال الحكم الشرعي بحرمة الصَّيد من الناحية القانونيّة الإجرائيّة، ولكنّهم لم ينطلقوا من ذلك من عمق إيمانٍ والتزامٍ حقيقيّ بأوامر الله. وهذا النحو من الذَّمّ قد لا يدخل في عالم الاستدلال على حكم الحيل المسمّاة شرعيّة، التي يهرب فيها الإنسان من الرّبا[3] على مستوى عنوان المعاملة، أو يصحّح فيها الفقه بيع ما لا ماليّة له بضميمةٍ غير عقلائيّة والقول بشرعية المعاوضة على الخمر والخنزير مقابل حقّ الاختصاص لا العين نفسها، وغير ذلك من الموارد التي يشعر الإنسان فيها بالبُعد عن المقصد العميق، ويحوّل بعض أوامر الشريعة ونواهيها إلى ممارسة شكليّة أكثر ممّا هي ممارسة إيمانيّة.
وهذه النقطة لسنا بصددها في هذه المقالة، وإنّما أشرنا إليها من باب المناسبة عسى أن تكون موضوعًا لبحثٍ مستقلٍّ بإذن الله.
جمود الخطاب الفقهي
لو رجعنا إلى موضوعنا، أعني ما يرتبط بالخطاب العقدي أو الفقهي، فقد يمكن للإنسان أن يرضى عن نفسه عندما يصلّي بتمام شروط الصلاة الفقهيّة حتّى ولو كان ذهنُهُ مشتَّتًا في أكثر من همّ وفكرة، فما دامت نيّة الصّلاة مركوزةً في أعماق نفسه، بحيث إذا سُئل عمّا يقوم به أجاب بأنّه يصلّي، كان هذا كافيًا للحكم بصحّة صلاته من الناحية الشرعية. أمّا الخشوع، فلا نجد له أثرًا أو تركيزًا سوى من بعيدٍ في بعض المستحبّات المصاغة مسائلُها بطريقة جامدة، ومرتبطة ببعض الأذكار وببعض الأفعال الخارجية. ويمكن هنا ملاحظة صوغ مسألة في الرسالة العمليّة مرتبطة بمستحبّات السجود، والتي عادةً ما تُدرج كتذييل أو خاتمة لا في صُلب مسائل الموضوع: "يُستحبُّ في السجود التكبير حال الانتصاب بعد الركوع، ورفع اليدين حاله، والسبق باليدين إلى الأرض، واستيعاب الجبهة في السجود عليها، والإرغام بالأنف، وبسط اليدين مضمومتي الأصابع حتّى الإبهام حذاء الأذنين متوجّهًا بهما إلى القبلة، وشغل النَّظر إلى طرف الأنف حال السجود، والدُّعاء قبل الشروع في الذكر... واختيار التسبيع والكبرى منه وتثليثُها، والأفضل تخميسها، والأفضل تسبيعها، وأن يسجد على الأرض؛ بل التراب... والدُّعاء في السجود بما يريد من حوائج الدُّنيا والآخرة... والتورّك في الجلوس بين السجدتين وبعدهما... وأن يكبّر بعد الرفع من السجدة الأولى بعد الجلوس مطمئنّاً... ووضع اليدين على الفخذين حال الجلوس... والتجافي حال السجود عن الأرض، والتجنّح بمعنى أن يباعد بين عضديه عن جنبيه ويديه عن بدنه... وأن يطيل السجود ويكثر فيه من الذِّكر... إلخ "[4]. في المقابل نجد النصَّ القرآنيّ يربط بين الصَّلاة والخشوع فيقول: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)[5]، وبين الصلاة وغفران الذنوب في قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النَّهار وزلفاً من الليل إنّ الحسنات يُذهبْن السيّئات)[6]، وبين الصلاة والعمل الاستقامة: (وأقم الصّلاة إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)[7]، ونجد على سبيل المثال الحديث المرويّ عن أمير المؤمنين عليّ (ع): "وتأويل السجدة الأولى أن تخطر في نفسك وأنت ساجدٌ: منها خلقتني، ورفع رأسِك تأويله: ومنها أخرجْتَني، والسجدة الثانية: وفيها تُعيدُني، ورفع رأسك تخطر بقلبك: ومنها تُخرجني تارة أخرى" وهكذا حتّى ذكر فيها تأويل أفعال الصّلاة، ثمّ قال: "من لم يعلم تأويل صلاتِه هكذا فهي خداجٌ، أي ناقصة"[8].
وتبدو المشكلة أعمق عندما نرصد البيان القرآنيّ لأحكام الحجّ والبيان الفقهي. لنقارن النصّ الفقهي القانوني في بيان واجبات عرفة ومنى، وبين النصّ القرآني في ذلك.
البيان الفقهي في مناسك الحجّ كالتالي: "يجبُ الوقوف بعرفة، بمعنى أن يكون حاضرًا فيها مستوعباً الوقت كلّه، من زوال الشمس إلى غروبها، ولا يجب أن يقف على رجليه. ولو نام أو أصابه الجنون، أو غشي عليه، أو كان سكراناً في جميع الوقت المذكور بطل وقوفه. لكن لو كان قبل الوقت في عرفة ونام بقصد الوقوف فيها، فلا يبعد صحّة وقوفه وإن كان نائماً في تمام الوقت، وكذلك في المشعر"[9]، ثمّ يورد بعض ما يُستحبّ في الموقف بعرفات: "التلفّظ بالنيّة... الوقوف في ميسرة الجبل... الغسل... جمع الظُّهر والعصر بأذانٍ وإقامتين... أن يضرب خيمته بنمرة... أن يجمع متاعه بعضه إلى بعض... الطهارة من الحدث..." ثمّ يختم بـ"التوجّه إلى الله سبحانه وتعالى، فإنّه يوم دعاء ومسألة، وأن يفرّغ ذهنه عن كلّ ما يشوّش فكره... أن يحمد الله تعالى ويثني عليه، ويمجّده ويهلّله ويكبّره... الإكثار من الدُّعاء والبكاء، فإنّ ذلك يوم دعاء ومسألة...إلخ"[10]، ونظير ذلك بالنسبة لأعمال منى أيّام التشريق.
أمّا النصّ القرآني فنجده كالآتي: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ* لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ* وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[11]، فتحدّث في سياق بيان أحكام الحجّ عن إحصاء الله لعمل الإنسان، والتزوّد من التقوى، وابتغاء الفضل من الله، وذكر الله عند المشعر الحرام، وعدم الشذوذ عن الجماعة في الإفاضة من عرفات أو المشعر أو كليهما، واستغفار الله، وذكر الله كذكر الآباء أو أشدّ ذكرًا بعد قضاء المناسك، ثمّ ذكر الله في أيّام معدودات، لتختم الآيات بتقوى الله وتذكّر الآخرة، كدلالةٍ – ربّما – على رمزيّة أفعال الحجّ ومسيرته لمسيرة الإنسان التي تبدأ من الله وتنتهي إليه.
طبعاً، ذكر الفقهاء بعض القضايا في عداد المستحبّات، ولكن التعبير فيها جامدٌ إضافة إلى موقع المستحبّ الهامشي قياسًا بالأحكام اللازم مراعاتها؛ الأمر الذي يوحي بأنّ المستحبّ يأتي في مرتبة ثانية، بينما يؤسّس التوجيه القرآن لكون المستحبّ (بالمعنى الفقهي) هو الأهمّ والغاية والهدف والأفعال مساعِدات وآليّات لتحقيقها. هذا، فضلًا عن إمكانيّة الاستفادة من النصِّ القرآني الذي لا يختلف في - دلالة الأمر فقهيًّا - على وجوب الذِّكر في المواقف الثلاثة (عرفات والمشعر ومنى)؛ وهذا بحثٌ آخر، لكن اقتضى الموضوع الإشارة إليه.
يُمكن للمتأمّل أن يلاحظ أنّ النصّ القرآني هو نصٌّ بنائيّ تنموي، يلحظ الشخصيّة الإنسانيّة بأبعادها، وأنّ تلك الأبعاد إنّما هي عوامل متفاعلة تؤثّر في حركة الإيمان الداخليّة والخارجيّة، بما ينعكس تزكيةً للنفس من جهة، ومعرفةً وتطبيقًا من جهة أخرى، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين)[12]، حيث قد نفهم من الآية أنّ الرسالة بكلّ أحكامها وأدبيّاتها تستهدف تحقيق ثلاثة أهداف أساسيّة تشكّل بمجملها شخصيّة الإنسان الإيمانية: التزكية، بما ترمز إليه من عمليّة تطهير للنفس ممّا يعلق بها من الأدران والأوساخ الروحيّة والنفسيّة بفعل احتكاكها بمفردات الحياة المتنوّعة، إضافة إلى تعلّم الكتاب الذي هو خطّ النظريّة، وتعلّم الحكمة التي تمثّل خطّ التطبيق العملي، وبذلك تتجانس الشخصيّة الإسلاميّة الإيمانية في أبعادها الفكريّة والروحيّة والعمليّة.
إنّنا لا نجد هنا فرقًا بين هذا البُعد التأسيسي لحركة الرسالة والرسول، وبين الخطاب القرآني الذي يتحرّك لتعزيز هذه العناصر الثلاثة مجتمعةً، بما جعل القرآن يحقّق أكثر من هدفٍ في عرضٍ واحدٍ، واستطعنا أن نلمح كيف يتمازج في النصّ الواحد جانب الهداية، والرشد، وشفاء الصّدور، وتثبيت الفؤاد، والرحمة، والفرقان بين الحقّ والباطل، والموعظة، وما إلى ذلك.
الخطاب العقدي القرآني
إنّ الخطاب العقدي في القرآن هو أيضًا خطابٌ تربوي، يحاكي في المعرفة العقدية جانبي الفكر والشعور معاً؛ على اعتبار أنَّ موضوع الإيمان ليس مجرّد فكر عقدي، وإنّما هو تفاعل بين الفكرة والشعور بما ينتج عنه حالة إيمان، أو حالة وجدانيّة تمتزج فيها الفكرة بالشّعور، استيحاءً من قول الله تعالى: (قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)[13]، ولعلّ اللافت هنا استخدام القرآن لتعبير "القلب" محلاًّ للإيمان وليس العقل؛ وذلك للنكتة التي أشرنا إليها؛ والله العالم.
لو درسنا أغلب الآيات التي ربطت بين وجود الله وتوحيده وصفاته وبين مظاهر الحياة والكون، لخلصنا إلى أنّ الخطاب القرآني يلحظ الجانب البنائي للعقيدة في شخصيّة المؤمن، وبتعبير أدقّ يستهدف الخطاب القرآني تحقيق الإيمان بالله في تناوله للمفردات المرتبطة بوجود الله ووحدانيّته وسائر المفاهيم العقدية، وفرقٌ بين هذا الخطاب وبين الخطاب العقدي الفلسفي الذي يستهدف الاستدلال والبرهنة الجامدة، أو الكلامي الذي يأخذ بمنهج الحجاج والجدل في عالم صراع الأفكار والخصومة المذهبيّة أو الدّينية أو ما إلى ذلك.
ونُعيد التذكير هنا بما ذكرناه سابقًا، وهو أنّنا لا نريد هنا توهين هذه العلوم؛ ولا الإشارة إلى أنّ بناء الإنسان العقدي من الناحية الفكريّة يمكن أن يتمّ بعيدًا عن منطق البرهنة والاستدلال العقلي الذي تنحوه الفلسفة، بقدر ما نريد لفت النّظر إلى أنّ الخطاب الفلسفي يكاد يكون غير بنائيّ إذا كان الهدف تحقيق الإيمان بالمعنى الذي قدّمناه أعلاه؛ بل إنّ القرآن نفسه اعتمد البرهنة العقليّة في عرضه للقضايا العقدية. لنتأمّل في قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون)[14]، وفي قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا)[15]، وقوله تعالى: (لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً)[16]، إلى غير ذلك من الآيات التي تستدلّ على فساد الملزوم بفساد اللازم، وعلى تعزيز صحّة الفرضيّة ببطلان الفرضيّات المحتملة، وذلك كلّه في سياق ربط كلّ مظاهر الحياة، من الشمس والمطر والنجوم والكواكب والليل والنهار والرزق وحياة النبات والحيوان، وتضافر النِّعم وما إلى ذلك، بالله تعالى الخالق والمنعم والمدبّر والرزّاق والرحيم والودود واللطيف والخبير... حتّى يتعمّق الفكر البرهاني المجرّد بالاحساس الدّائم بحضور الله تعالى مع الإنسان في كلّ مفردات حياته.
بناء المجتمع
وإذا كان ما سبق يركّز على عمليّة البناء الفردي ولحْظِها في الخطاب القرآني بالنحو الذي ذكرناه، فإنّ بناء المجتمع لا بدّ أن يقوم على هذا البُعد التربوي في الخطاب، بحيث تتحوّل قيم المجتمع الأخلاقيّة إلى عبادةٍ لا تختلف عن عبادة الصَّلاة والحجّ، وتتحوّل القيمة الأخلاقيّة إلى منظومة حياةٍ تتأسَّس عليها حركة المجتمع في استثمار طاقاته وثرواته، وفي تطوير إمكاناته وملكاته، وفي تعزيز كلِّ ما يرفع من مستوى المجتمع في مجالاته كافّة.
أمّا الخطاب الفقهي الذي يعتمد الحلال والحرام بتعابير جافّة وجامدة، فإنّه قد يساهم في تعزيز سلوكٍ اجتماعيّ منضبط في إطار القانون ما دام للقانون سلطة تقوم على تطبيقه، ولكنّ الأمر سيكون مختلفًا إذا أسَّسنا القانون وتطبيقه على أساس الارتباط بالله، الحاضر دوماً مع الإنسان في سرّه وعلانيته، وإذا حوّلنا الالتزام به إلى نحوٍ من أنحاء العبادة المستمرّة، على هدى الحديث: "العبادة سبعون جزءًا وأفضلُها جزءًا طلب الحلال"[17].
يمكن أن نلاحظ هنا باب الطّلاق المسطور في الرسائل العمليّة، وحتّى في الكتب الاستدلاليّة، مدى المقاربة لقوله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم)[18]، ومستوى المقاربة أيضًا؛ لأنّ إحدى أهمّ المشاكل الناتجة عن الطَّلاق هو عدم تطبيق المبدأ الذي تحكي عنه الآية؛ لأنّه غالبًا ما تبقى ثمّة علائق مشتركة بين المطلّقين، كالأولاد مثلًا، فإذا لم يركنا إلى شيءٍ من الذكرى الإيجابيّة فيما بينهما، فإنّ الأولاد قد يتحوّلون إلى ما يُشبه الكرة التي يتقاذفها الطرفان بطريقة ردّات الفعل وتسجيل النّقاط؛ خصوصًا عندما يكون البيان الفقهي أنّه لا حقَّ للأمّ في حضانة أولادها بعد سنّ معيّنة، ممّا يوحي – ولو في الذّهنية العامّة للناس – أنّه لا يعود ثمّة علاقة للأمّ بأولادها بعد ذلك، بينما قد يشير القرآن الكريم إلى مبدأ إنسانيّ عامّ، وإن في مورد الرضاع حسب الآية: (لا تضارَّ والدةٌ بولدها ولا مولودٌ له بولده)[19]، إلى غير ذلك من الموارد التي يتداخل فيها الشرعي بالأخلاقي الإنساني في الخطاب القرآني، في حين يغيب ذلك في الخطاب الفقهي التوجيهي بنحو ملحوظ.
وقد نجد هنا أنّ عدم ملاحظة هذا اللون من الخطاب التربوي المتمازج، كان أحد العوامل التي جعلت الأمّة تخفق في تحقيق مشاريع كُبرى ذات صلة بالأهداف الكلّية التي يريدها الإسلام، وساهم في إيجاد فصل في حركة المجتمع والأمّة بين المسار الدِّيني والمسار الدُّنيوي، مع أنّه لا فصل بينهما البتّة كما نريد التأكيد عليه في هذه المقالة!
الشُّكر في القرآن أنموذجًا
نحاول هنا أن نشرح في الأنموذج الذي اخترناه للدلالة على النكتة التي عقدنا البحث لمعالجتها، وهي التمازج في الخطاب القرآني بين العقدي والشرعي والأخلاقي، ونزيد عليه هنا التمازج بين البُعدين الفردي والاجتماعي أيضًا في حركة القيمة في حياة كلٍّ من الفرد والمجتمع على السواء.
الأنموذج المختار هو قيمة الشُّكر، التي وردت في عدد كبير من الآيات القرآنيّة، والذي تجاوز الأربعين موضعًا بالتصريف المتنوّع لمادّة (شكر) فضلًا عن العدد الكبير من الأحاديث الشريفة. والمهمّ بالنسبة إلى ما نحن بصدده هو ملاحظة نوعيّة ورود هذا المصطلح، ولعلّ في إمكاننا هنا أن نُشير إلى عدّة أبعاد، حيث قد نجد أنّ الفكر وإنتاج المعرفة تعبير عن الشُّكر على نعمة العقل، وبذلك تكون معرفة الله وصولًا إلى حقيقة الشُّكر بهذا المعنى، إلى كون الشُّكر هو الرؤية التي تحكم وجود الإنسان على هذه الأرض، وتسخير الكائنات والموجودات للإنسان لأجل استثمارها من قبل الإنسان في خطّ تحقيق الشُّكر العمليّ للإنسان، والشُّكر هو العنوان العريض للصِّراع بين إبليس والإنسان، والكُتُب والرسالات وحركة الأنبياء كلّها هدايةٌ إلى طريق الشُّكر. وهذا بعضُ تفصيلٍ لهذه العناوين:
1ـ معرفة الله والشُّكر
العلاقة مع الله تعالى هي علاقة شكرٍ؛ لكونه منعمًا أفاض على الإنسان نعمة الوجود، ثمّ سخّر له كلّ النعم على تجعل ذلك الوجود حيًّا وفاعلًا وعائدًا بالنفع عليه في الدُّنيا قبل الآخرة.
قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمّهاتكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلّكم تشكرون)[20]. الآية تستبطن الحديث عن الإنسان ككائن منتج للمعرفة، وقد منّ الله عليه بنوعين من الأجهزة: الحواسّ التي تمثّل المصادر الأوّلى لإدراك الواقع، والأفئدة بما تشير إليه من طاقة التفكير التي تتعامل مع المعطيات التي يقدّمها الحسّ من خلال قواعد إنتاج المعرفة والعلم؛ كلّ ذلك بهدف شكر الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني أنّ الهدف من وجود الإنسان المفكّر والمنتج للعلم والمطوّر للمعرفة إنّما هو تحصيل الشكر.
ولعلّ قوله تعالى: (ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السَّمع والأبصار والأفئدة قليلصا ما تشكرون)[21]، وقوله: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون)[22] يؤكّد أنّ قليلًا من النّاس هم الذين يحقّقون الشكر على هذه النِّعم، وليس ذلك إلّا بسبب عدم استخدام تلك الطاقة في الوجهة الصحيحة التي توصل إلى الشُّكر.
ومن الواضح أنّ الشكر هنا يتوجّه إلى الله، وهو المنعم بتلك الطاقات. وأعلى المعارفِ التي ينبغي على الإنسان إدراكُها من خلال ذلك هو معرفة مبدئه ومعاده وما يرتبط بهما، وبذلك يشكّل الشُّكر قاعدة للمعارف الأساسيّة للإنسان، وهي التي اصطلح عليها بالعقيدة في العلوم الدّينيّة؛ بل قد نستطيع القول إنّ تحريك أدوات المعرفة، من الحواس والعقل، من أجل التوصّل إلى الاكتشاف والاستنتاج هو في حدّ ذاته شكرٌ للمنعم، والنتيجة التي يحصل عليها تؤسّس لشكر المنعم.
وهل يمكننا هنا أن نقيم المقابلة بين الشُّكر والكفر؟
ليس من شكٍّ في أنّ الكفر يقابل الشُّكر في بُعده النَّظري أو العقدي، وليس العمليّ فحسب كما سنبيّنه لاحقًا، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (إنّا هديناه السَّبيل إمّا شاكرًا وإمّا كفورًا)[23]. ولعلّ من ذلك أيضًا ربط الحكمة بالشُّكر في قوله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ حميد)[24]، وجاء الشُّكر بين توحيد إبراهيم واجتباء الله له في قوله تعالى: (إنّ إبراهيم كان أمّةً قانتًا لله ولم يكُ من المشركين، شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراطٍ مستقيم)[25].
وربّما نستطيع القول إنّ هذا المنحى في ربط المعرفة بالشُّكر هو الذي جعل تحريم كلّ ما يُذهب العقل ويسكره؛ لأنّ سكر العقل وفقدان طاقته المفكّرة سلبٌ لحالة الشكر المعرفي – إذا صحّ التعبير -، إضافةً إلى الجوان بالأخرى التي تؤثّر في عمل الإنسان وتسلب عنه الشكر العمليّ.
2ـ الخلافة والشُّكر
وإذا قارنّا بين هذه الآية وبين ما بيّن به الله تعالى الوظيفة العمليّة للإنسان على الأرض: (وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدِّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون)[26]، حيث من الواضح أنّ خلق الإنسان ليكون خليفة في خطّ الصلاح وحفظ الحياة، ولذلك اعترض الملائكة بعدما فهموا هذه الوظيفة أنّها تناقض طبيعة خلقة الإنسان وتكوينه، وإلا لم يكن لاعتراضهم معنًى! ولعلّ ما يؤكّد هذا المعنى قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصّالحون)[27]. بالمقارنة نفهم أنّ طاقات الإنسان الفكريّة والتطويريّة إنّما هي بهدف استخدامها في ما يُصلح الحياة لا في ما يفسدها.
من خلال هذا التوجيه يتحوّل الشُّكر إلى قيمة محوريَّة في حياة الإنسان، لا ترتبط بحالة شكرٍ قوليّ أو قلبيٍّ مجرّد على نعمةٍ تلقّاها من الله، وإنّما هو منهجٌ لتحقيق الهدف العميق من وجود الإنسان على هذه الأرض. باختصارٍ: إذا كانت الخلافة تعني إعمار الأرض وتطويرها على حسب إرادة الله، فإنّ العنوان الذي يأخذه هذا الإعمار هو الشُّكر، وبذلك يرتبط الفعل الحضاري بالعقيدة الإيمانيّة والإحساس القلبيّ الذي يختزنُهُ الإحساس بجميل المنعم.
3ـ تسخير الكائنات والشُّكر
ممّا لا شكّ فيه أنّ استخلاف الإنسان على الأرض يستبطن قيادة الإنسان لركب الحياة فيها؛ بل أبعد من الحياة الأرضيّة على كوكبنا، ولذلك سخّر الله تعالى للإنسان كلّ المقدّرات التي تمكّنه من أداء تلك المهمّة، والتي يمثّل أداؤها المعنى الحقيقيّ لشكر الله سبحانه وتعالى. ونستطيع في هذا الإطار أن نستشهد بعدّة آيات.
يقول الله تعالى: (ولقد مكّنّاكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلًا ما تشكرون)[28]، فالتمكين وسبل العيش في الأرض إنّما هو لأجل الشُّكر، ولكنَّ قليلًا من الناس الذين يحقّقون ذلك فعليًّا.
ويقول تعالى: (الله سخّر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلّكم تشكرون)[29]، ويقول عزّ وجلّ: (وهو الذي سخّر لكم البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًّا وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلّكم تشكرون)[30]، حيث إنّ الظّاهر أنّ الشكر إنّما هو على ذلك التسخير الذي يسهّل على الإنسان تحقيق أهدافه في الأرض كلّها، وفي نفسه.
4ـ حقيقة الصراع: شكر وكفر
إذا رجعنا إلى قوله تعالى في حديثه عن إبليس إذ أخرجه الله تعالى من الجنّة بعد أمره بالسجود لآدم: (قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، ثمّ لآتينّهم من بين إيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)[31] أنّ الصراع بين الإنسان وبين الله إنّما هو صراع بين شكر المنعم والكفر به.
من خلال هذا البيان التأسيسي لحركة الشيطان على الأرض، والموجَّهة ضدّ الإنسان الذي هو العدوّ الأوّل والأخير، فإنّ كلّ النشاط الشيطاني الذي يزيّن للإنسان ويغويه ويغريه بألوان المعاصي، ويسوّف له التوبة والتصحيح، ويعيق سلامه الروحي، وطمأنينته القلبيّة، وحركته العقليّة، وما إلى ذلك، فعلًا يستهدف منع الإنسان من الشُّكر للمنعم.
لا أعتقد أنّنا نجانب الصَّواب هنا أنّ استراتيجية محاربة الشيطان التي اعتمدها الإسلام، والأديان عمومًا، تشكّل محور تمكين جبهة الدِّفاع في مواجهة تمظهرات الشيطان، وهو يفتحُ الباب لدخول علوم النَّفس والتربية والاجتماع وما إلى ذلك، بهدف استكشاف الآليّات الضرورية وتعزيزها في شخصيّة الفرد والمجتمع. وهنا يصبح الانشغال العلمي في العلوم الزمانيّة – بحسب الاصطلاح – لونًا من ألوان الشكر للمنعم، أو مقدّمة من مقدّماته الضَّروريّة.
لا نريد الخوض في الجدل حول أسلمة العلوم الإنسانيّة وغيرها، وإنّما أرادنا الإشارة إلى مبدأ العلاقة بين العلوم الإنسانية وقيمة الشكر، بغضّ النظر عمّن يشتغل في مجالها، وعلى أيّ قواعد ينبغي أن يقوم عليها البناء الفكري من الناحية المنهجيّة؛ وذاك في حدّ ذاتِه ترابُطٌ بين حركة المجتمع وتطوّر مقاربتها لقضاياها استنادًا إلى قواعد التفكير والبحث العلميّين.
وهنا يبرز عنوان التقوى كوجه من وجوه الشُّكر، أو القواعد المحقّقة له، كما يوحي بذلك قوله تعالى: (فاتّقوا الله لعلّكم تشكرون)[32]، لتكون التقوى ذاتها هي حركة شكرٍ، وربّما يشير إلى ارتباط الشكر بالطاعة والاستقامة ما ورد عن الإمام عليّ (ع): "أقلّ ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه"[33]، ولعلّه (ع) استند في ذلك إلى الآية الكريمة التي تحكي دعاء نبيّ الله موسى (ع): (ربّ بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين)[34].
وعلى هذا لا يكون الشُكر كلمةً يلهج بها اللسان فحسب، وإنّما هي روحٌ يتحرّك في عمق الوجدان الإنسانيّ، حيثُ يتعاظم الإحساس بجميل المنعِم، فينطلق التعبير عنه قولاً وفعلاً، من حيثُ هو تعبير عن مستوى العلاقة التي يبنيها الإنسان بينه وبين الله؛ بل لعلّنا نجد في كلّ ما تقدّم أنّ الشكر العملي هو الأصل أو المحور الذي تدور حوله كلّ الآيات.
نلمح ذلك جليًّا في قوله تعالى: (وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّة يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكانٍ فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)[35]، حيث إنّ الكفر هنا هو الكفر العملي الذي لم يحرّك النعم في خطّ الاستفادة منها ضمن ما يريده الله تعالى، وهو ما يشير إليه أيضًا قوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد)[36]، حيث لا نفهم الشكر هنا حالة من الذكر اللساني الذي لا يستتبع حركة عمليّة في اتجاه استثمار النعم من الناحية العمليّة؛ فالشُّكر العمليّ هو الموجب للزيادة، والكفر العمليّ هو الذي يوجب العذاب، وهو ما شرحته الآية التي سبقتها.
5ـ الرسالات السماوية والشُّكر
انطلاقًا من موقع الإنسان في هذا العالم، وامتلاكه للمقدّرات التي ينبغي أن تعينه على القيام بمهمّته الكلّيّة (الخلافة)، واستنادًا إلى طبيعة القوى المضادّة التي ستعمل على إعاقته في أداء مهمّته، تبرز الحاجة إلى المنهج الذي ينبغي اتّباعه لتحقيق كلّ ذلك، وهو ما تمظهر في بعث الأنبياء وإنزال الكتب والرسالات من أجل وضع القواعد والاستراتيجيّات الأساسيّة لضمان حُسن سير هذه المهمّة.
يحضرنا في ذلك البيانُ الإلهيّ الأوّل بعد نزول الإنسان إلى الأرض، وإشهار إبليس لهدف الصراع - (ولا تجد أكثرهم شاكرين) -: (قلنا اهبِطوا منها جميعًا فإمّا يأتينَّكُم منّي هُدًى فمن تبعَ هُدايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون* والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون)[37]، وهذا الهدى كان العنوان العريض الذي نزلت به الكتب وأرسل من أجله الرسل، بحيث يكون الهدف من الرسالات كلّها هو هداية الإنسان لكي يكون شاكرًا لله، لا كافرًا به وبنعمه.
وممّا يدلّ على اكتساب الرسالة هذا البُعد، أعني الشُّكر، عدد من الآيات، من قبيل قوله تعالى: (قال يا موسى إنّي اصطفيتُك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين)[38]، حيث جاء الأمر بالشُّكر نتيجةً لأخذ ما آتاه الله تعالى من الرسالة، وقال تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومَك من الظُّلمات إلى النّور وذكّرهم بأيّام الله إنّ في ذلك لآياتٍ لكلّ صبّار شكور)[39]، فكان الشُّكر هو الهدف من إخراج النّاس إلى نور الرسالة، وتذكيرهم بالآيات التي مرّ بها الأقوام السابقون وتجاربهم.
من ذلك أيضًا ما ورد على لسان يوسف (ع): (واتّبعتُ ملّة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيءٍ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون)[40].
وليست الرسالة عقيدةً فحسب، وإنّما هي عقيدةٌ وشريعة ومنهج حياةٍ، وعند الشُّكر تلتقي العقيدة بالشَّريعة؛ ليكون الشُّكر هو الكلمة المفتاحيّة لكلّ تعاليم الشريعة، والكلمة التي تتضمّن الرؤية الكونية التي تحكم وجود الإنسان في هذه الحياة.
مثال من حياتنا العمليّة:
كمثال على ذلك الترابط بين العقدي والشرعي والأخلاقي، مسألة المياه، حيث يمثّل الماء حاجة للبشر كما هو حاجة للزراعة وعنصر توازين بيئي، ويمكن من خلاله تأمين الطاقة الكهربائيّة وغيرها، وهو نعمة تستحقّ الشكر من الإنسان، لكن لا يكفي الشكر اللساني، ولا كون ذلك الشكر ناشئًا من الإحساس بعظيم المنّة الإلهيّة، وإنّما لا بدّ أن يعبّر الشكر عن تخطيط دقيق لكيفية الاستفادة من المياه في سدّ حاجات الإنسان، وفي تحقيق صلاح النظام البيئي، وفي استثماره لتوليد الطاقة التي يحتاجها الإنسان، وغير ذلك من الأمور؛ فإذا شكر الإنسان عمليًّا نعمة الماء فإنّه سيزيد من قوّته وقوّة مجتمعه، وسيصبح قادرًا على تنفيذ الكثير من الخطط النهضويّة، وهو لا شكّ سيكون أساسًا لزيادة النعم على الإنسان. في المقابل، إذا كفر الإنسان بهذه النعمة عمليًّا، فلم يستثمرها في إنتاج الطاقة، وسمح بتلوّثها، ولم يجرّها إلى الأراضي الزراعيّة العطشى، فإنّ ذلك سينعكس ضياعًا لهذه الثروة، وبقاء للإنسان في حالة فقرٍ في كلّ مقوّمات النهوض، وفي ذلك "العذاب الشديد" بلا شكّ، وبذلك يكون العذاب نتيجة طبيعيّة لعمل الإنسان، من خلال السنّة الإلهيّة التي وضعها وربط من خلالها الأسباب بالنتائج.
هنا بالذات يلتقي الشكر كقيمة عقدية بالمسؤوليّة، بحيث لا يكون الشاكر شاكرًا ما لم يعمل على استثمار النعم في الخطّ الذي يريده المنعم، وهو الخط المحدّد للبشريّة منذ بدايتها: الإصلاح في الأرض وإعمارها على ضوء منظومة القيم التي تمثّل الهداية الإلهيّة للإنسان، وفي مقابل ذلك يكون الكفر الذي يستتبع العذاب الشديد.
وارتباط الشكر بالمسؤوليّة بيّنه الإمام جعفر الصادق (ع) في حديثٍ يقول فيه: "إنّ الله لم يُنعم على عبدٍ نعمةً إلا وقد ألزمه فيها الحجّة من الله؛ فمن منَّ الله عليه فجعله قويّاً فحجّته عليه القيام بما كلّفه، واحتمال من هو دونه ممّن هو أضعف منه، فمن منّ الله عليه فجعله موسّعاً عليه، فحجّته عليه مالُه، ثمّ تعاهده الفقراء بعدُ بنوافله، ومن منّ الله عليه فجعله شريفاً في بيته، جميلاً في صورته، فحجّته أن يحمد الله تعالى على ذلك، وأن لا يتطاول على غيره، فيمنع حقوق الضعفاء لحال شرفه وجماله"[41]، ويلفت في الحديث إيراد كلمة الحجّة التي توحي بالمؤاخذة من الله على الإخلال بما تعلّقت به، وهو ما يشير إلى استحقاق العقاب على الكفر بالنعمة، وليست المسألة مجرّد عطاء أخلاقي يمارسه الشاكر لها. هنا نلمح ارتباط الشرعي بالأخلاقي، وهذا الحديث قد يسمح لنا بإعادة النظر في اعتبار المسألة الأخلاقيّة خارجة عن أيّ مؤاخذة إلهيّة، ولا سيّما عندما ترتبط بمفهوم الفساد الذي يتحرّك ضدّ الإرادة الإلهيّة.
الحديث يتحدّث عن الموقع الاجتماعي ووظيفته، وكيف أنّه يمثّل مسؤوليّة الذي يحلّ فيه من أجل أن يستثمره في خطّ الخير وإعانة الضعفاء وسدّ حاجاتهم، لا في سبيل الاستكبار والظلم، كما يتناول بذلك المال، حتّى في ما هو فريضة، كعنوان من عناوين شكر المنعم، وبهذا يُخرج الحديث الالتزام الشرعي من جموده، ليحوّله إلى نوعٍ من العبادة، وإلى قيمة أخلاقيّة يمثلها العطاء، بما يمثّله من حالة إخراج لنوازع الذات السلبيّة، من الأنانيّة والاستئثار وعدم الشعور بالآخرين وما إلى ذلك.
وقد نرى هنا بأنّ هذا الحديث لا يقف عند حدود المفردات التي تعرّض لها؛ إذ من الواضح أنّها مجرّد أمثلة لمبدأ وقاعدة استراتيجية في شكر النعمة، وهي أنّ لكل نعمة شكرها الخاص، ومن شكرها بذلها لمن يحتاجها، واستثمارها في خطّ رضوان الله، في ارتباطٍ بين العقدي والشرعي والأخلاقي.
فأنت عندما تعطي محروماً، أو تكفكف دمعة يتيم، أو تؤوي مشرّداً، أو تؤمّن فرصة عملٍ لمن انقطعت به سبل الحياة، أو عندما تحرّك موقعك الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي للخدمة العامّة، أو عندما تستغلّ عناصر الجذب في شخصيّتك لتتواضع للناس أكثر، وتمنحهم حقوقهم أكثر، أو عندما تبني قوّتك لتأكيد العدالة في حياة الناس، أو لتدافع عن أرضك وبلدك وشعبك، فأنت بذلك تعيش حالات متنوّعة من الشكر، كما تعيشها وأنت تصلّي لله وجوبًا أو نفلًا، وتحقّقها وأنت تصوم نهارك وتقوم ليلك، وكما تعيشها حينما يلهج لسانك بذكر الله..
خاتمة:
من خلال ما تقدّم حاولنا أن نتفكّر في طبيعة الخطاب القرآني في التعبير عن الأبعاد العقدية - والعباديّة ضمنًا - والشرعية والأخلاقيّة، حيث وجدنا أنّ في الإمكان أن نجد ترابطًا محوريًّا، يجعل الإنسان في توجّه نحو الأبعاد الثلاثة جميعًا وهو يطبّق حكمًا شرعيًّا، أو يقف موقفًا أخلاقيًّا.
بل قد لمحنا إمكانيّة توسعة الأفق في التعاطي مع مقدّرات الحياة، وكيفيّة استثمارها على قاعدة الشُّكر، بحيث نجد الترابط بين عقيدة المرء وسلوكه الفرديّ وفعله الحضاريّ، بحيث لا يعود البحث والاكتشاف في الطرق الفضلى في كيفية استثمار المياه، وتحسين شروط الزراعة، وتقوية عناصر الصناعة والتجارة وما إلى ذلك بعيدةً عن عقيدة الإنسان، بل يكمن الله تعالى في عمق هذا التوجّه العلمي والعملي، وهذا ما يحقّق شروط بناء الحضارة الإنسانيّة.
إنّ هناك فرقًا بين أن نقول للإنسان إنّ الصَّلاة واجبةٌ عليك، وأنّ تركها يوجب العقاب من الله تعالى، وأنّ أداءها إنّما يكون بأداء أجزائها وأذكارها، وبين أن نقول له إنّ الصَّلاة تعبيرٌ عن الشُّكر لنعم الله عليك، على هدى ما ورد عن النبيِّ (ص) أنّه "إذا صلّى قام حتّى تفطر رجلاهُ، فقالت عائشة: يا رسول الله أتصنعُ هذا وقد غُفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: يا عائشة! أفلا أكونُ عبدًا شكورًا"[42]. وهناك فرقٌ بين أن يُستغرَق الحاجُّ بالمحافظة على التياسُر الهندسيّ – بقطع النَّظر عن دليله – في طوافه بالكعبة، وبين أن يُدفع إلى عيش رمزيّة ذلك الطواف فيما يتّصل بارتباطه بالله ومسؤوليّاته في الحياة. كذلك الحال في مفردات الحياة العمليّة، في مأكل الإنسان ومشربه، وفي إدارته لعلاقاته داخل أسرته، ومع الجوار، ومع المؤمنين وغيرهم؛ بل مع الأرض ومجالها البيئي، والسماء وآفاقها.
وبهذا يتحوّل الشكر إلى منظومة حياة، يؤسّس لشبكة من الأفعال والعلاقات التي تنتظم عندها حياة الناس، ويحصلون من خلالها على تضافر النعم واستمرارها، كما لعلّه أشار إلى ذلك قوله تعالى: {ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}[43]، وقوله تعالى: {ولو أنّهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمّة مقتصدةٌ وكثير منهم ساء ما يعملون}[44].
[1] باحث في الفكر الإسلامي، من لبنان.
[2] الحشر: 9.
[3] نطرح بعض الأمثلة في شكلٍ عامّ بمعزل عن إمكانيّة التأمّل فيها تبعًا للمنهج المستخدم في عمليّة الاستنباط، من قبيل أن يُقال – مثلًا – إنّنا نستكشف من الروايات أنّ ملاك حرمة الربا هو الاشتراط، فيجوز أخذ الفائدة مع عدمها، ونحو ذلك.
[4] انظر، الخوئي، السيد أبو القاسم، منهاج الصّالحين، ج1، ص176-177.
[5] المؤمنون: 1-2.
[6] هود: 114.
[7] العنكبوت: 45.
[8] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج2، ص1640-1641.
[9] الكلبيكاني، محمد رضا، مناسك الحجّ، ص131-132.
[10] الكلبيكاني، م. ن. ص133-134.
[11] البقرة: 197-203.
[12] الجمعة: 2.
[13] الحجرات: 14
[14] الطور: 35.
[15] الأنبياء: 22.
[16] الإسراء: 42.
[17] الريشهري، ميزان الحكمة، ج3، ص1799.
[18] البقرة: 237.
[19] البقرة: 233.
[20] النحل: 78.
[21] السجدة: 9.
[22] المؤمنون: 78.
[23] الإنسان: 3.
[24] لقمان: 12.
[25]النحل: 120-121.
[26] البقرة: 30.
[27] الأنبياء: 105.
[28] الأعراف: 10.
[29] الجاثية: 12.
[30] النحل: 14.
[31] سورة الأعراف، الآيتان 16-17.
[32] سورة آل عمران، الآية 133.
[33]نهج البلاغة، ج4، ص78، رقم 330.
[34]سورة القصص، الآية 17.
[35]سورة النحل، الآية 112.
[36]سورة إبراهيم، الآية 7.
[37] البقرة: 38-39.
[38] الأعراف: 144.
[39] إبراهيم: 5.
[40] يوسف 38.
[41] الكليني، الكافي، ج1، ص163، ح6.
[42] صحيح مسلم، ص1109، ح2820.
[43]سورة الأعراف، الآية 96.
[44]سورة المائدة، الآية 66.

